search
burger-bars
Share

"إني صائم"

 كم مرّة أثناء صيامك أساء أحدهم إليك بكلمة، أو بتصرّف، أو حتى بنظرة؟ وربما اكتفيت بأن تقول: "إني صائم"، لكن في داخلك كنت غاضبًا، وربما شعرت برغبة في الردّ أو استعادة حقك. 

هذا يضعك أمام سؤال صادق مع النفس: هل تمتنع عن رد الإساءة فقط لأنك صائم، أم لأن الغفران أصبح أسلوب حياة لديك؟

سؤالك: كيف يتصرف الصائم عند التعرض للإساءة؟ ليس سؤالًا جديدًا. فقد طُرح على السيد المسيح أسئلة قريبة من هذا المعنى: كيف يتعامل الإنسان مع من يخطئ إليه؟ وكم مرّة ينبغي أن يغفر؟

المثير أن إجابات السيد المسيح لم تكن تقليدية أبدًا، بل كانت مختلفة عمّا هو شائع ومتوقَّع؛ إذ كانت كلماته تدفع السائل إلى التفكير وفحص نفسه. كما أن تعاليمه تعكس نوعية حياة مختلفة، لا مجرد ردّ على موقف عابر.

لقد قدّم السيد المسيح في تعاليمه الكثيرعن كيفية التعامل مع الآخر، لكننا سنكتفي بذكر ثلاثة مبادئ أساسية أرساها كأسلوب حياة يُتَّبع مع الآخرين، لا في وقت الصيام فقط:

 

المبدأ الأول: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك

كُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يُعَامِلَكُمُ النَّاسُ بِهِ، فَعَامِلُوهُمْ أَنْتُمْ بِهِ أَيْضاً
(الإنجيل بحسب متى البشير 7: 12)

توقّف لحظة واسأل نفسك: عندما تخطئ في حق الآخرين، ماذا تتمنى منهم أن يفعلوا؟
هل تتمنى أن يسحقوك بالكلمات، أم أن يمنحوك مساحة من اللطف والرحمة؟

لقد علّم السيد المسيح هذا المبدأ في موعظته الشهيرة على الجبل، إذ قال ببساطة: عامل الناس بالطريقة نفسها التي تتمنى أن يعاملوك بها.

إن كنت تريد أن تُحَبّ، فأحبّ.
وإن كنت تريد أن تُرحم حين تخطئ، فارحم.
وإن كنت تريد أن يُغفر لك، فاغفر.

إذن، إذا عدت لتسأل سؤالك في ضوء هذا التعليم: ماذا أفعل كصائم عندما أتعرض للإساءة؟
فاعكس السؤال: لو كنت أنا من أخطأ في حق الآخر، كيف أتمنى أن يتصرف معي؟ وربما تجد في ذلك جواب سؤالك.

 

المبدأ الثاني: لا تضع حدودًا للغفران

تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَسَأَلَهُ: "يَارَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِيءُ إِلَيَّ أَخِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟"
فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: "لاَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ سَبْعَ مَرَّاتٍ!
(الإنجيل بحسب متى البشير 18: 21-22)

سأل الرسول بطرس، أحد تلاميذ السيد المسيح، هذا السؤال: "كم مرّة يخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له؟ هل إلى سبع مرّات؟"

كان الرسول بطرس يظن أنه يذكر رقمًا كبيرًا، وربما توقع المدح من السيد المسيح. لكن جواب السيد المسيح جاء مختلفًا عمّا توقع، إذ قال: ليس سبع مرات، بل سبعين مرّة سبع مرات.

بالطبع لم يكن السيد المسيح يقصد رقمًا حرفيًا، بل كان كأنه يقول لا تضع حدودًا للغفران يا بطرس، ليكن قلبك رحيمًا كما رحمك الله. وليكن قلبك شبيهًا بقلب خالقك. فغفرانك مدعو أن يعكس غفران الله.

 

المبدأ الثالث: أحبّ حتى أعداءك

أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَبَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَأَحْسِنُوا مُعَامَلَةَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَكُمْ،
وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَضْطَهِدُونَكُمْ
(الإنجيل بحسب متى البشير 5: 44)

لم يكتفِ السيد المسيح بأن يقول عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، ولم يكتفِ بأن يدعونا إلى غفران غير محدود، بل رفع المعيار إلى مستوى أعلى عندما نادى بمحبة الأعداء. هذا التعليم ربما يبدو صعبًا أو حتى غير واقعي. لكن السيد المسيح لم يقدّمه كفكرة نظرية فقط، بل عاشه عمليًا. فعندما كان على الصليب، طلب الغفران لمن صلبوه الإنجيل بحسب لوقا البشير 23 :34 . هذه هي المحبة التي تتجاوز ردّ الفعل الطبيعي، وتكسر دائرة الإساءة بدل أن تكرّرها.

 

كيف أعيش هذه المبادئ؟

هذه هي المبادئ الثلاثة التي علّمها السيد المسيح. وهي مبادئ صالحة لكل زمان ومكان، في وقت الصيام أو في غيره. لكن قد يقرأ البعض هذه التعاليم ويقول: إنها جميلة، لكنها صعبة جدًا! وهذا صحيح، وذلك يجعلنا نسأل: هل يستطيع الإنسان أن يعيش هذه المبادئ وحده؟ 

والإجابة التي أريد أن أؤكدها لك هي: أنك لن تستطيع أن تعيش أيًّا من هذه المبادئ بدون السيد المسيح! الإنجيل بحسب يوحنا البشير 14: 6 .

السيد المسيح ليس مجرد معلّم أخلاقيات يقدّم نصائح أو مفاتيح لضمان علاقات ناجحة، بل هو الله الظاهر في الجسد رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس 3: 16 ، الذي جاء إلى عالمنا ليفدي الخطاة بموته، لكي ننال الغفران لخطايانا الرسالة إلى اهل أفسس 1: 7 . وكل من يؤمن به يتغيّر قلبه. وبفضل عمله في القلب يصبح الإنسان قادرًا على أن يعيش هذه المبادئ حزقيال 36: 26-27 .

فطبيعتنا البشرية الفاسدة لا تستطيع من تلقاء نفسها أن تحب الآخر كالنفس، ولا أن تحب الأعداء. إنها تحتاج إلى قوّة الله التي تغيّر القلب من الداخل.

إن حاولنا أن نعيش تعاليم السيد المسيح بدونه، قد تسحقنا تحت ثقل الإحباط؛ لأننا سنظل عاجزين عن تطبيقها. لكن عندما يعمل هو في القلب، تصبح هذه التعاليم ممكنة.

 

أدعوك في وقت صيامك — الوقت الذي ترغب فيه أن تقترب من الله أكثر من أي وقت آخر — أن تسأله أن يعلن ذاته لك.

يمكنك أن تدعو قائلًا:
أريد أن أعرف الإله الحقيقي. أريد أن أعرفك عن قرب. أظهر لي ذاتك، وغيّر قلبي لكي يتعلم أن يحب كما تحب أنت، ويغفر كما تغفر أنت.



وإذا كان لديك أي سؤال أو استفسار بشأن هذا الموضوع، يمكن التواصل معنا (من هنا) 

Facebook X YouTube Pinterest TikTok Threads

تحميل تطبيق "الإيمان والحياة"

Android
iPhone