search
burger-bars
Share

غفا رجل دين غفوةً قصيرة في مكتبه صباح عيد الميلاد، فرأى في حلمه عالماً لم يأتِ إليه السيد المسيح قط!

 تجوّل في بيته فلم يجد أي مظاهر احتفال، ولا تراتيل، ولا فرح. خرج إلى الشارع فلم يرَ كنيسة واحدة. عاد إلى مكتبته فوجد أن كل الكتب التي تتحدث عن السيد المسيح قد اختفت. وفجأة طُلب منه أن يزور أمًّا فقيرة تحتضر، ذهب مسرعًا ليعزّيها ولكن لم يجد ما يقوله، فلم تكن هناك أخبار سارة، ولا وعود عن رجاء يتجاوز القبر، فاكتفى بالبكاء معها في يأس شديد! وبعد أيام وقف عند جنازتها ليقيم الصلاة، لكنه لم يجد كلمات تعزية، ولا حديثًا عن قيامة أو حياة أبدية، بل مجرد وداعٍ طويل بلا أمل. عندها أدرك الحقيقة المؤلمة في حلمه: السيد المسيح لم يأتِ!

هذه قصة، لكنها قصة مرعبة تضعنا أمام سؤال مخيف: ماذا لو لم يأتِ السيد المسيح إلى عالمنا؟ ماذا لو خلا التاريخ من حضوره؟

يقول مؤرخ عالمي شهير يُدعى جاروسلاف بيلكان أحد أبرز دارسي التاريخ الديني في كتابه "المسيح عبر العصور": 

"بغض الطرف عما يعتقده أو يعتنقه أي شخص بشأن السيد المسيح، فقد كان الشخصية الأكثر حضورًا في التاريخ. ولو كان ممكنًا، باستخدام أحد المغناطيسات الفائقة أن ننتزع من ذلك التاريخ كل أثر يحمل اسمه فقط، فماذا يتبقى منه؟ فميلاده صار رأسًا للتقويم البشري، وباسمه يبارك الملايين ويصلي الملايين باسمه."

أحيانًا لا نفهم قيمة الحدث إلا عندما نتخيل التاريخ بدونه. تخيل معي عالمًا بلا السيد المسيح؛ فهذا التصور يكشف لنا، على الأقل، خمس نتائج وخيمة لعالمٍ لم يدخله السيد المسيح، لترسم مصير البشرية لو لم يأتِ إليها:

حقائق هامة

عالم بلا إجابة واضحة عن الله

بداخل كل منا اشتياق لمعرفة الله: من هو؟ ما صفاته؟ أرحيم هو أم صارم؟ قريب منا أم بعيد يراقبنا فقط من سمائه؟ 


- شوق الإنسان الدائم لمعرفة الله

عبّر الكاتب توفيق الحكيم في كتابه «أرِني الله» عن هذا الاشتياق لمعرفة الله من خلال قصة فلسفيّة تبدأ بطلب طفل من أبيه أن يُريه الله. ويقود هذا الطلب الأب إلى رحلة بحثٍ عن رؤية الله. وهذا الحوار جزء منها:

الأب: أريد، أيها الناسك، أن تُريني الله.

الناسك: أتعرف معنى ما تقول؟

الأب: نعم، أريد أن تُريني الله.

الناسك: إن الله لا يُرى بحواسنا الجسدية، وهل تسبرُ عمقَ البحر بالإصبع التي تسبرُ بها عمقَ الكأس؟!

الأب: كيف أراه إذن؟

الناسك: إذا تكشّف هو لروحك.

الأب: ومتى يتكشّف لروحي؟

الناسك: إذا ظفرتَ بمحبته!

 

قدّمت الفلسفة تشخيصًا دقيقًا لعطش الإنسان، لكنها عجزت عن تقديم الإجابة. كان عالمنا سيظل يعاني بحثًا عن الله بلا جدوى، وتظل رغبة رؤياه غير مُدركة. ومعرفتنا به تعتمد على ما نعتقده نحن عنه لا ما هو عليه بالفعل. لكن لم يترك الله الإنسان يتخبّط في تصورات بشرية عنه، ولا يكوّن صورة مشوَّهة عن طبيعته، بل اختار أن يعرّفنا بنفسه تعريفًا واضحًا ومباشرًا، وهذا هو الخبر السار الذي تقدمه المسيحية: إنجيل يوحنا 1: 14


- حين تتحوّل المعرفة من فكرة إلى علاقة

 الله يعرف محدوديتنا، ويعرف استحالة عقولنا المحدودة أن تدرك عظمته. لذلك بادر ناحية الإنسان وأعلن عن ذاته في شخص السيد المسيح. تجسد الله لكي يُمكّن الإنسان من رؤيته بالحواس الجسدية ويؤكد ذلك يوحنا الرسول أحد تلاميذ السيد المسيح في رسالة يوحنا الأولى 1: 1 . فالله الذي كان مجهولًا للإنسان، صار معروفًا في شخص يُرى ويُلمس ويُسمع.

ولهذا لم يتردّد السيد المسيح في أن ينسب إلى نفسه ما لا يُنسب إلا لله. فقد أشار إلى أزليته ووجوده السابق عندما قال: إنجيل يوحنا 8: 58 ، وذلك إلى جانب قبوله السجود من الناس، وقبوله أن يُدعى الرب والإله يوحنا 20: 28 ، وتصريحاته المتعددة عن نفسه بأنه خبز الحياة، ونور العالم، والطريق، والحق، والحياة، والقيامة. هذا فضلًا عن معجزاته، كإقامة الموتى، وشفاء أمراضٍ مستعصية، وسلطانه على غفران الخطايا كما ذُكر في إنجيل مرقس 2: 5 .

هكذا لم يعد الله فكرة بعيدة أو لغزًا يبحث الإنسان عن تفسيره، بل صار شخصًا دخل تاريخنا، وتكلم بلغتنا، وسكن بيننا. لو لم يأتِ السيد المسيح إلى عالمنا، لبقينا بدون إجابة واضحة عن من هو الله، أمّا بوجوده، فقد صار الله مُعلنًا، قريبًا، وممكن المعرفة. 


عالم بلا فداء من الخطية

التقرير الإلهي وفقًا للإنجيل المقدس منذ سقوط أبوينا آدم وحواء في الخطية وعصيانهما الله هو أن:

 رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 3: 12

الرسالة إلى أهل رومية 3: 23

 الرسالة إلى أهل رومية 6: 23

 ماذا يفعل الإنسان أمام تلك الورطة؟ كيف يبرر ذاته أمام إله قدوس بار يكره الخطية؟ كيف ينال غفران الله ورضاه وهو الذي أخطأ في حقه؟ أبأعمال صالحة؟ أم بالصلاة؟ أم بالصوم والصدقة؟ وهل تكفي هذه الطقوس لإرضاء إله عظيم؟

 لو لم يأتِ السيد المسيح إلى العالم، لظلت تلك الأسئلة إما بلا إجابة أو الإجابات تبقى غير نافعة، ولظلت البشرية تصارع مع مشكلة الخطية والذنب بلا حل جذري. لكن البشرية ظفرت بمحبة الله إنجيل يوحنا 3: 16 . يقدم الإيمان المسيحي السيد المسيح على أنه الإجابة عن السؤال الجوهري: كيف يغفر الله الخطية دون تناقض بين عدله ومحبته؟ ففي الصليب تحقق العدل، وأُعلنت المحبة. في الصليب وبموت السيد المسيح حمل الله نفسه العقوبة التي كان الإنسان يستحقها، ليمنحه الغفران الذي لا يستحقه!

 الرسالة إلى أهل رومية 3: 24 فهل تقبل هذه العطية المجانية اليوم؟ إذا آمنت بقلبك بعمل السيد المسيح نلت بشفاعته غفران خطاياك وهبة الحياة الأبدية رومية 10: 9 .

لو لم يأتِ السيد المسيح إلى عالمنا، لظل الإنسان أسير خطيته، محكومًا بالموت، يعيش في حالة انفصال عن الله، تحت ثِقَل الغضب والدينونة. أمّا بمجيئه، فقد فتح باب الغفران، وتحوّل الانفصال إلى مصالحة مع الله. 


عالم لم نكن لنرى فيه الإنسان كما ينبغي أن يكون

هل فكرت يومًا كيف أراد الله للإنسان أن يعيش حين خلقه؟ وما الصفات التي أحبّ أن يراها فيه؟ حين خلق الله الإنسان، لم يقصده ككائنٍ مكسور أو مشوه، بل كصورة تعكس صلاحه ومحبته. لكن منذ سقوط أبوينا آدم وحواء، فقد الإنسان ملامح هذه الصورة. وأصبح العالم مسرحًا للشر والظلم والأنانية والقسوة. كلّنا عانينا، ولو مرة واحدة على الأقل، من ظلم، وكذب، وشر أو حقد من الآخرين.

 لو لم يأتِ السيد المسيح إلى عالمنا لظل المشهد كما هو بلا أمل في الارتقاء بالإنسانية. ولكن حين جاء السيد المسيح الذي نؤمن أنه إله كامل وإنسان كامل إلى عالمنا، رأينا فيه الصورة الكاملة التي أرادها الله حين خلق الإنسان. فقد أعاد تعريف الإنسانية حين أحب حتى الأعداء وأوصى بذلك إنجيل متى 5: 44 . كان يحب الناس ويجول يصنع خيرًا للجميع سفر أعمال الرسل 10: 38 . كان يرفض الظلم وينادي بالحق والرحمة. كان يفرح مع الفرحين، ويبكي مع الباكين، ويشارك أحباءه وجعهم إنجيل يوحنا 11: 35 . ففيه رأينا قلب الإنسان كما قصده الله.

لم يأتِ السيد المسيح ليقدّم مجرد نموذج أخلاقي يُعجِبنا ثم نعجز عن بلوغه، بل الخبر السار الذي تقدمه المسيحية، أن السيد المسيح هو المخلص الذي جاء ليغير الإنسان من الداخل، فبالإيمان به، يصير الإنسان خليقة جديدة رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 5: 17 . خليقة تعرف أن تحب الله والناس بحق. ومن هذه اللحظة تصبح داخل قلب الإنسان قدرة على العيش بطريقة مختلفة، وتبدأ مسيرة تغيير حقيقي.

 فالهدف الأسمى على الأرض لكل من يؤمن بالسيد المسيح هو أن يتشكّل تدريجيًا على صورته، كما يقول الرسول بولس: الرسالة إلى أهل رومية 8: 29 ، كورنثوس الثانية 3: 18 . وتستمر هذه الرحلة من التغيير طوال الحياة.

لو لم يأتِ السيد المسيح إلى عالمنا، لبقينا بدون إجابة حقيقية عن من هو الإنسان في فكر الله، ولظل الإنسان عاجزًا عن تغيير حقيقي من القلب. 


عالم تنتهي قصته بالموت بلا ضمان أبدي

كم مرّة وقفتَ أمام مشهد موتٍ وشعرت بالعجز؟ وكم مرّة راودك السؤال بعده: هل سأرى من أحبهم مرّة أخرى أم لا؟ وهل فكرت يومًا في مصيرك بعد الموت، فلم تصل إلى إجابة، وتوقفت عند عبارة: "الله أعلم، المصير في يد الله"؟

 هكذا يبدو العالم بلا السيد المسيح: عالم بلا أمل، تنتهي قصته بالموت، ويظل مصيره بعد الموت مجهولًا، بلا سلام. أما الإيمان المسيحي، فيروي القصة بشكلٍ مختلف تمامًا، إذ لا يجعل الموت نهاية الحكاية، بل بداية رجاءٍ مؤسس على وعدٍ إلهي ثابت.

فعمل السيد المسيح لم يتوقّف عند غفران الخطايا فقط، بل امتدّ ليهزم أعظم عدو للإنسان: الموت. فلو كان السيد المسيح قد مات وبقي في القبر، لظل الموت هو الفصل الأخير في حياة البشر. لكن الإنجيل المقدس يعلن أن الصليب لم يكن المحطة النهائية، فالسيد المسيح قام، وبقيامته أبطل الموت وأنار الحياة والخلود رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس 1: 10 . وقد وعد كل من يؤمن به قائلًا: إنجيل يوحنا 11: 25-26

 لو لم يأتِ السيد المسيح إلى عالمنا لظل الفصل الأخير في قصة البشرية هو الموت، أما بمجيئه، فلم يعد الموت نهاية القصة ولا مصدر الرعب الأكبر للإنسان. فالمؤمن به لا يواجه الموت وهو متروك للمجهول، فالضمان الأبدي الذي يمنحه السيد المسيح يحوّل الموت من نهاية مظلمة إلى بداية حياة أبدية مع الله. 


عالم يسحقه الألم

حين ننظر من حولنا، لا نكاد نجد ركنًا في هذا العالم يخلو من الألم: حروب، وأمراض، وموت. وفي ظل هذا الواقع القاسي، يبرز السؤال الملحّ: ما الذي يمكن أن يعزّي القلب في أوقات الألم؟ وأي كلمة يمكن أن تمنح الإنسان رجاءً حقيقيًا؟

 هناك بشارة جاءت لهذا العالم منذ أكثر من ألفي سنة، حملت رجاءً حقيقيًا وسط ظلمة هذا العالم:إنجيل متى 1: 23 .

بمجيء السيد المسيح، تعرّفنا على حقيقتين جوهريتين تتعلقان بالألم:

الحقيقة الأولى: أن الله معنا. فالله في شخص السيد المسيح لم يبقَ بعيدًا عن عالمنا المكسور، بل دخل إليه بنفسه وشارك الإنسان آلامه الرسالة إلى العبرانيين 2: 14-18 . لم يعد الألم علامة على غياب الله، لأن السيد المسيح نفسه تألّم وبكى وذاق وجع الإنسان. ورغم أنه لم يعد أتباعه بحياة خالية من الألم، إلا أنه وعدهم بحضوره الدائم قائلاً: إنجيل متى 28: 20 ، مؤكّدًا أن قلب الله تجاهنا مملوء بالمحبة، وهي محبة لا ينبغي الشك فيها حتى في أوقات الوجع.

 الحقيقة الثانية: أن الألم ليس أبديًا. فالإيمان المسيحي لا يقدّم عزاءً مؤقتًا، بل يعلن أن هذا العالم بأحزانه وتعبه لن يكون الكلمة الأخيرة. عزاء المؤمن بالسيد المسيح هو وعد الله بعالم جديد، حيث رؤيا يوحنا 21: 1، 4 . هناك، تُمسح كل دمعة، ويُنسى كل ألم عاناه الإنسان على الأرض.

لو لم يأتِ السيد المسيح إلى عالمنا، لما عرفنا أن الله يشعر بوجعنا، ولا تيقّنا من محبته وسط الألم، ولما كان لدينا عزاء بأن للألم نهاية، وأن وراء هذا العالم المكسور عالمًا آخر ينتظرنا، خاليًا تمامًا من الوجع، ومملوءًا بالسلام والفرح الأبدي.

 

من افتراض مظلم إلى حقيقة تُبهِج

ماذا كان سيتبقى من هذا التاريخ لو لم يأتِ السيد المسيح؟ وماذا كان سيبقى للحياة من معنى وهو الذي فيه الحياة؟ "فإن منه وبه وله كل شيء" رومية 11: 36
فهو ليس مجرد إنسان ترك أثرًا في التاريخ، بل هو الله الظاهر في الجسد صانع التاريخ، الذي دخل عالمنا ليغير مسار البشرية!

يا لها من فرحة أن عدم مجيئه إلى عالمنا مجرد افتراض، فالحقيقة المبهجة أن السيّد المسيح قد جاء إلى عالمنا! ولنذكر إعلان الملاك:

إنجيل لوقا 2: 10-11 .

 

يرى الإيمان المسيحي أن مجيء السيد المسيح لم يكن مجرد حدث غيّر مجرى التاريخ، بل إعلانًا قدّم للإنسان معنى جديدًا للحياة، ورجاءً يتجاوز الألم والموت، وعلاقة حيّة مع الله تقوم على القرب والمعرفة لا الخوف والغموض. هذا ما تؤمن به المسيحية وتقدّمه بوصفه خبرتها عن الله والإنسان. أدعوك أيها القارئ أن تتأمل في هُوية وحياة السيد المسيح. فربما في التأمل الصادق تبدأ رحلة اكتشاف معنى أعمق للحياة، كما اختبره ملايين من قبلك.

 

إذا أردت معرفة المزيد عن السيد المسيح تواصل معنا (من هنا)












Facebook X YouTube Pinterest TikTok Threads

تحميل تطبيق "الإيمان والحياة"

Android
iPhone