search
burger-bars
Share

 

ما هو الصّوم؟

عادةً ما نبدأ بتعريف المفاهيم، ولكني سأبدأ بتوضيح ما ليس صومًا، وذلك لكسر المفاهيم المغلوطة حتى نفهم بعمق ما هو الصوم وفقًا للكتاب المقدس.

الصوم ليس مجرد انقطاع عن الطعام والشراب لفترة من الزمن بهدف اتباع طقس ما أو تجنب الرفض المجتمعي من دون وجود رغبة حقيقية في القلب. الصوم ليس عرضًا للتقوى أمام الناس، وليس أيضًا مقايضة روحية نحاول من خلالها الحصول على ما نريده نحن من الله، لا ما يريده هو.

إذن، ما هو الصوم؟

الصوم في اللغة العربية يعني الإمساك، ويُعرّف في السياق الديني بشكلٍ عام، بأنه الإمساك عن الطعام والشراب لفترة من الزمن بغرض الاقتراب من الله.

الصوم والكتاب المقدس

ماذا يقول الكتاب المقدس عن الصوم؟

الصوم في الكتاب المقدس هو امتناع إرادي عن الطعام لفترة من الزمن بغرض الاقتراب من الله باتضاع. فيه نتذكر حاجتنا المستمرة إلى الاتكال عليه في كل تفاصيل حياتنا. وغالبًا ما يقترن الصوم بالصلاة، إذ يصبح وسيلة للتضرع أمام الله من أجل أمرٍ معين أو موقفٍ نمر به، فنرفع قلوبنا طالبين عونه وإرشاده.

أهداف الصوم في المسيحية:

الغاية العظمى التي تحرك قلب المؤمن بالسيد المسيح هي أن يعرف الله ويعيش بحسب مشيئته في كل تفاصيل حياته، باعتباره رب الحياة وملكها.

تتنوع أهداف الصوم كما يذكرها الكتاب المقدس، لكن يبقى المشترك بينها جميعًا أن مركزها هو الله:

  • قد يصوم المسيحي تضرعًا وطلبًا لإرشاد الله في قرار معين، كما فعل التلاميذ الأوائل عند اختيار قادة للخدمة (سفر أعمال الرسل 13: 2 ؛ 14: 23 ).
  • قد يكون الصوم إعلانًا للتوبة عن الخطية، كما فعل أهل نينوى عندما سمعوا رسالة النبي يونان (سفر يونان 3: 5 ).
  • يصوم المسيحي أيضًا من أجل الآخرين، كما فعل النبي والملك داود عندما مرض ابنه، فصام طالبًا من الله شفاءه (سفر صموئيل الثاني 12: 16 ).
  • أحيانًا يكون الصوم استغاثة في وقت أزمة، كما فعلت أستير مع شعبها لطلب حماية الله من الهلاك (سفر أستير 4: 3 ).

مقولة

يمكن تلخيص لسان حال كل هؤلاء في كلمات تعبر عن روح الصوم:

"ربي وسيدي، بصومي أعترف بعجزي وأتذكر أنني إنسان محدود يحتاج إليك. أعلن اتكالي على الإله القدير الذي بيده زمام كل الأمور. لتكن مشيئتك في حياتي، واجعل هذا الظرف يقودني إلى الاقتراب منك أكثر."

إذن، يصوم المسيحي بناءً على محبّته لله ورغبته في التّقرّب منه، بالتذلّل والانكسار أمامه طاعةً له. فقد التزم شعب الله في العهد القديم بالصوم كعلامةٍ على تمسّكهم به وخضوعهم لسلطانه. وكذلك الأمر في العهد الجديد، فللصوم مكانةٌ هامّةٌ في الإيمان المسيحي وفي حياة المؤمن بالسيد المسيح. لقد بيّن المسيح أهمية الصوم ودوره في علاقتنا مع الله، وسار على نهجه الرسل والمؤمنون على مرّ تاريخ الكنيسة منذ نشأتها وحتى اليوم.

هل الصوم فريضة على المسيحيين؟

هناك بعض الديانات الأخرى حدّدت مواسم للصوم كفريضة إلزامية، لكن في المسيحية لا نجد نصًا يُلزم جميع المسيحيين بالصوم في أوقات معيّنة. فالصوم متوقَّع من المسيحي، لكنه ليس قانونًا إجباريًا، بل ممارسة اختيارية تنبع من محبة الله والرغبة في النمو الروحي.

ورغم أن الصوم ليس فريضة، إلا أن السيد المسيح وضع شرطًا جوهريًا عند ممارسته، فقال:

"وعندما تصومون، لا تكونوا عابسي الوجوه، كما يفعل المراؤون الذين يقطبون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين. الحق أقول لكم إنهم قد نالوا مكافأتهم.. أما أنت، فعندما تصوم، فاغسل وجهك، وعطر رأسك،. لكي لا تظهر للناس صائما، بل لأبيك الذي في الخفاء. وأبوك الذي يرى في الخفاء، هو يكافئك." (إنجيل متى 6: 16–18)

التركيز هنا لم يكن على الفعل الخارجي، بل على قلب الصائم. وكأن السيد المسيح يضع كل صائم أمام سؤال مصيري: مَن أحاول أن أُرضي بصومي؟

قد يكون صومك صومًا طنانًا يلفت انتباه الناس، وهدفه استعراض البر الذاتي، وقد تنال بالفعل ما تريد من تصفيق الناس لك ولكن عندئذ تخسر مكافأة الله لك! الصوم المقبول عند الله هو الصوم الخفي المعلَن لله، لأن الصوم هو أمر شخصي وليس فرصة للتظاهر. فالله يهتم باتجاهات القلب ونياته أكثر من المظاهر الخارجية.

ميعاد الصوم

متى يصوم المسيحيون؟

لا يحدد لنا الكتاب المقدّس أوقاتًا أو شهورًا للصوم. فقد ترك الأمر للضمير الشخصي. وتبعًا لنموذج الكتاب المقدس، قد تقوم جماعة من المسيحيين أو الكنيسة بتحديد وقتٍ للصوم من أجل أمرٍ هامٍ في حياة المؤمنين، أو من أجل خدمة السيد المسيح والإنجيل. وقد تختلف ممارسات الصوم بين الطوائف المسيحية، لكن يبقى المفهوم الجوهري للصوم في ضوء الكتاب المقدس واحدًا.

الصوم والخطايا

هل الصوم يغفر الخطايا؟

في الإيمان المسيحي، غفران الخطايا لا يعتمد على مجهود الإنسان أو ممارساته الدينية، بل على العكس، يؤكد الكتاب المقدس أن الإنسان عاجز عن حل مشكلة الخطية بنفسه. ولهذا جاء السيد المسيح إلى العالم ليكون الطريق إلى الله، وبموته وقيامته قدّم النجاة لكل من يؤمن به. يقول الكتاب المقدس في سفر أعمال الرسل: "أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا" (سفر أعمال الرسل 10: 43). وفي موضع آخر في رسالة يوحنا الأولى يقول: "أن دم المسيح يطهر من كل خطية" (رسالة يوحنا الأولى 1: 7).

نرى عبر صفحات الكتاب المقدس أن الإنسان لم يكن له يومًا دور في غفران خطاياه، بل إن أعماله الصالحة – بما فيها الصوم – لا تحمل أي معنى حقيقي إلا حين يتغير القلب بالإيمان بالسيد المسيح. عندئذ فقط تصبح الدوافع نابعة من محبة الله وليست من مصلحة شخصية.

إذن، الغفران في المسيحية لا يُشترى بالطقوس أو الممارسات الخارجية، بل هو عطية مجانية من الله، أساسها محبة المسيح وعمله الكفاري: «فإنكم بالنعمة مخلصون، بالإيمان، وهذا ليس منكم. إنه هبة من الله،  لا على أساس الأعمال، حتى لا يفتخر أحد» (الرسالة إلى أهل أفسس 2: 8-9). ما يطلبه الله من الإنسان هو التوبة الصادقة والإيمان بالسيد المسيح، لينال غفرانًا كاملًا وسلامًا حقيقيًا.

وبالتالي، فالإجابة الواضحة: لا نؤمن في المسيحية أن الصوم يغفر الخطايا. فالوسيلة الوحيدة لنوال رضا الله وغفرانه هي الإيمان بالسيد المسيح.

 

إذا كانت لديك أسئلة أخرى عن الصوم أو عن الإيمان المسيحي، لا تتردد في التواصل معنا من هنا

Facebook X YouTube Pinterest TikTok Threads
دردشة
تم إغلاق هذه الدردشة

هل ترغب في الدخول في حوار مباشر حول هذا الموضوع؟

تحميل تطبيق "الإيمان والحياة"

Android
iPhone